| آكلات البكتيريا |
|
ط·آ§ط¸â€ط·آ¯ط¸ئ’ط·ع¾ط¸ث†ط·آ± ط¸ظ¾ط·آ®ط·آ±ط¸ظ¹ ط¸â€¦ط·آ´ط¸ئ’ط¸ث†ط·آ± المقاله تحت باب طبيب الاسبوعية في الصحة والمرض
قصة اكتشاف الفيروسات جميلة لأنها تعكس أهمية المصادفات التي تجعل البحث عن خشبة او حديدة يفضي احيانا الى العثور على سبيكة من الذهب، مثلما ذهب النبي موسى يبحث عن جذوة يدفئ بها أهله فعاد بالنبوة يهدي بها قومه. وقد جاء اكتشاف الفيروسات ضمن البحث عن أمراض التبغ فاذا بالنتيجة تقدم طبي هائل لا علاقة له بالتبغ وأهله. ![]() تبدأ القصة في اواخر القرن التاسع عشر عندما حاول بعض الباحثين معرفة طبيعة المرض الذي يصيب أوراق التبغ ويظهر عليها بشكل بقع تقلل من جودته وسعره في السوق.
كان المفترض بداية الامر أن مرض اوراق التبغ هذا يسببه نوع من البكتيريا، لكن محاولات العثور على هذه البكتيريا باءت بالفشل، ما يعني براءة البكتيريا من التهمة الموجهة اليها. ما هو السبب اذن؟ احد علماء الاحياء المجهرية قام بصنع ورق ترشيح (فلتر) ذي ثقوب دقيقة جدا لا تسمح بمرور البكتيريا من خلاله، لكنه يمرر السوائل والاجسام التي هي اصغر من البكتيريا. كان هذا الفلتر يستخدم كطريقة للتعقيم (أي تخليص المحاليل من البكتيريا وباقي الاحياء المجهرية)، ثم جيء بعصارة اوراق التبغ المريضة لتمر من خلاله. ما رشح من الفلتر اصبح إذن خاليا من البكتيريا. جيء بهذا «المحلول المعقـَّم» ووضع على أوراق تبغ سالمة من المرض فاذا بها تصاب بالمرض اياه... بهذه التجربة ثبتت براءة البكتيريا من التهمة، كما ثبت ان المرض ينتقل عن طريق سائل مرتشح ملوث بميكروب ما، ما هو هذا الميكروب؟ لا بد انه عامل مرضي اصغر من البكتيريا لانه يرشح من خلال ثقوب صغيرة لا تمر منها البكتيريا. سمي هذا العامل وقتها بالفيروس وهي كلمة لاتينية تعني «السم»، وأصبح معروفا ان مرض اوراق التبغ تسببه كائنات حية متناهية في الصغر لا تدركها الأبصار. لم يتمكن احد من مشاهدة الفيروس لكنه بقي معروفا من خلال آثاره، غائبا عن الحواس بشخصه، يعترف به العقلاء من خلال التحليل المنطقي، وينكره الجهال الذين لا يقنعهم الا الدليل الحسي. واستمر العلماء يكشفون عن تركيبه الكيميائي وعن أنواعه واشكاله والامراض التي يسببها وكيفية الوقاية منها، وصنعوا اللقاحات وطعموا بها ملايين الناس فكفوهم شره...فعلوا كل هذا وهم لم يروه بعد، الى ان جاء المجهر الالكتروني الذي أزاح ستائر الحجب عن الابصار، فثبت -للذين لا يصدقون إلا ما يشاهدون بأعينهم- صدقَ ما قاله الذين يفكرون بعقولهم. كائن دقيق
كانت الفيروسات تُدرس ضمن علم يعرف بعلم الاحياء الدقيقة الذي يهتم بكل ما صَغـُر ودقّ حتى تعذرت رؤيته بالعين واحتاج الى المجهر، إما المجهر الضوئي (كما الحال في البكتيريا والفطريات والاشنات واحاديات الخلايا) وإما المجهر الالكتروني كما الحال في الفيروسات. لكن الكمية الهائلة من المعلومات عن الفيروسات لم تأت من ملاحظة شكلها في المجهر الالكتروني، بل من خلال دراسات كيميائية وفيزيائية وبيولوجية ومناعية كان للتفكير العلمي فيها دور الرائد و للمجهر الالكتروني دور المساعد. وعلى هذا الأساس تمَّ التعرف على نواة الفيروس المتكونة من مجموع المورّثات (الجينات)، وما يحيط النواة من مادة بروتينية تسمى كاسبيد. كما تم التعرف على غلاف خارجي مادته دهنية يغطي بعض انواع الفيروسات دون البعض الآخر. وتم تصنيف الفيروسات - على أساس كيمياء النواة -الى صنفين رئيسين: فيروسات DNA وفيروسات RNA، كما تمت لاحقا إضافة تسميات اخرى وفق نظم تصنيف عالمية تطورت مع الزمن حتى أصبح علم الفيروسات مجموعة علوم لا يحيط بها عالم واحد، ففي كل شعبة منها يوجد ذو علم، وفوق كل ذي علمٍ عليم. كيف؟
الفيروسات كائنات طفيلية تعيش اساسا داخل خلايا الكائنات الحية الاخرى (فيما يعرف في علم الطفيليات بعلاقة الطفيلي بالمضيف)، اما خارج المضيف فلا تستطيع الفيروسات ان تعيش الا فترة قصيرة (فترة انتقالية)، فاذا طالت اقامتها خارج المضيف تعرضت للتلف حتى في درجات الحرارة الاعتيادية. السبب في اعتمادها الحياة الطفيلية يكمن في عجزها عن تصنيع الانزيمات والمواد الايضية الخاصة بها، لذا تلجأ الى المضيف الذي تتطفل عليه لكي تستخدمه كمصدر للمواد التي تحتاجها لاستمرار حياتها وللتكاثر. كيف يفعل الفيروس ذلك؟
يدخل الفيروس الى الخلية التي يريد التطفل عليها ويتجه الى نواتها، (فالنواة هي مصدر الأوامر من المركز الوراثي الى مراكز تصنيع المواد التي تحتاجها الخلية), يسيطر الفيروس على هذا المركز ويصدر اليه اوامر خاصة بصناعة المواد التي يحتاجها الفيروس نفسه لا الخلية التي دخل اليها. والفيروس يفعل في الخلية فعلَ الاستعمار في البلاد المستعـَمرة، يستنزف مواردها لصالحه، او فعلَ الجيش الغازي في البلد الذي يمر به: يحوّل معامله الى مصانع لانتاج السلاح ويصادر مستودعات الغذاء فيه لصالح جنوده ويجند شبابه في وحداته العسكرية. النتيجة النهائية تكون فناء الخلية بتحولها الى مصنع لانتاج مئات الفيروسات المشابهة للفيروس الغازي والتي تترك الخلية متوجهة الى خلايا جديدة تعيد معها العملية نفسها. هناك بعض الفيروسات (عضو شعبة فما فوق!) لا تكتفي بذلك، بل تستهلك حتى غشاء الخلية في صنع اغشية للفيروسات الوليدة تلبسها قبل مغادرة الخلية المدمـَّرة. وتصيب الفيروسات جميع الكائنات الحية إنسانـَها وحيوانها ونباتها كما تصيب البكتيريا ايضا. في العادة لا تضر فيروساتُ النباتات ولا فيروساتُ الحيوانات صحة َ الانسان الا في حالات خاصة مثل انفلونزا الخنازير والطيور وجنون البقر حيث يتحول الفيروس قبل انتقاله الى الانسان ليصبح فيروسا انسانيا وينتشر بشكل وباء في العادة بسبب كونه جديدا على جهاز المناعة. اما فيروس البكتيريا فيخدم البيئة كما ذكرنا عن طريق القضاء على الاعداد الهائلة منها والتي تتكاثر بغير حساب. الفيروس الذي يهاجم البكتيريا يلعب دورا كبيرا في ايقافها عند حدها في التكاثر السريع ويمنعها من ملء البيئة التي تعيش فيها بذرية لا تحسن غير الأكل والتكاثر. يسمّى الفيروس الذي يفعل هذا بـ«آكل البكتيريا» وهو يأكلها في عملية سريعة لا تستغرق اكثر من عشرين دقيقة تتحول فيها خلية البكتيريا التي تكبر الفيروس مئات المرات الى قشرة خالية تخرج منها مئات الفيروسات الوليدة. الابادة الجماعية بعد اكتشاف اميركا من قبل كريستوف كولمبس استعمر الاوروبيون اميركا وابادوا الكثير من سكانها الاصليين وحملوا معهم من اوروبا -بدون قصد- فيروسات تكيفت ابدان الاوروبيين معها بسبب المناعة التي اكتسبوها من اصابات سابقة عندما كانوا في بلدانهم، لكن سكان القارة الاصليين الذين لم يصابوا بها سابقا- بسبب خلو القارة من تلك الفيروسات- اصبحوا عرضة للاصابة بها بدون مقاومة او مناعة، الامر الذي ادى الى اندلاع اوبئة فيروسية أسهمت في الابادة الجماعية للملايين من الهنود الحمر تاركين الارض للغزاة الاوروبيين الذين ابادوهم بالسلاح والمرض كي يصنعوا العالم الجديد. لكن الزمن دار دورة اخرى، فبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى اجتاح فيروس الانفلونزا اوروبا فانتشر فيها انتشار النار في الهشيم وقضى على مئة مليون انسان، لان الانفلونزا لا تترك مناعة دائمة عند من تصيبه، فيبقى عرضة لتكرار الاصابة في موسم البرد التالي. اما سبب وفاة هذه الملايين فهو قيام الانفلونزا بتخريب بطانة المجاري التنفسية فتصبح عرضة لغزو البكتيريا، ويبدو أن البكتيريا التي اخترقت الجهاز التنفسي (المتضرر من الغزو الفيروسي) كانت ذات طبيعة «نازية او فاشية او بعثية»، فقد ضربت الجسد المنكوب بالاحتلال الفيروسي بهجمات ارهابية اوقعت في التجمعات الخلوية خسائر لا تعد ولا تحصى. لقد مات ملايين الاوروبيين بسبب ضعف البدن وانهيار البنية التحتية التي تحمي من الجراثيم التي اخترقت حدود البدن واحدثت فيه ما لم تستطع الانفلونزا احداثه من الاضرار. |